عثمان بن جني ( ابن جني )
291
الخصائص
فإن قيل : فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته في اللفظ واعتقدت مع هذا أنه في المعنى مرفوع ، فإذا كان في اللفظ أيضا مرفوعا فكيف يسوغ لك بعد حصوله في موضعه من استحقاقه الرفع لفظا ومعنى أن تحور به فتتوهّمه مجرورا ؟ قيل هذا الذي أردناه وتصوّرناه هو مؤكّد للمعنى الأوّل ، لأنك كما تصوّرت في المجرور معنى الرفع ، كذلك تمّمت حال الشبه بينهما فتصوّرت في المرفوع معنى الجرّ . ألا ترى أن سيبويه لمّا شبّه الضارب الرجل بالحسن الوجه وتمثّل ذلك في نفسه ورسا في تصوّره ، زاد في تمكين هذه الحال له وتثبيتها عليه ، بأن عاد فشبّه الحسن الوجه بالضارب الرجل في الجرّ ؛ كلّ ذلك تفعله العرب ، وتعتقده العلماء في الأمرين ، ليقوى تشابههما وتعمر ذات بينهما ، ولا يكونا على حرد " 1 " ، وتناظر غير مجد ، فاعرف هذا من مذهب القوم واقتفه تصب بإذن اللّه تعالى . ومن ذلك قولهم في قول العرب : كلّ رجل وصنعته ، وأنت وشأنك : معناه أنت مع شأنك ، وكل رجل مع صنعته ، فهذا يوهم من أمم أن الثاني خبر عن الأوّل ، كما أنه إذا قال أنت مع شأنك فإن قوله ( مع شأنك ) خبر عن أنت . وليس الأمر كذلك ؛ بل لعمري إن المعنى عليه ، غير أن تقدير الأعراب على غيره . وإنما ( شأنك ) معطوف على ( أنت ) ، والخبر محذوف للحمل على المعنى ، فكأنه قال : كلّ رجل وصنعته مقرونان ، وأنت وشأنك مصطحبان . وعليه جاء العطف بالنصب مع أنّ ؛ قال : أغار على معزاى لم يدر أنني * وصفراء منها عبلة الصفوات " 2 " ومن ذلك قولهم أنت ظالم إن فعلت ، ألا تراهم يقولون في معناه : إن فعلت فأنت ظالم ، فهذا ربما أوهم أن ( أنت ظالم ) جواب مقدّم ، ومعاذ اللّه أن يقدّم جواب الشرط عليه ، وإنما قوله ( أنت ظالم ) دالّ على الجواب وسادّ مسدّه ؛ فأمّا أن يكون هو الجواب فلا . ومن ذلك قولهم في عليك زيدا : إن معناه خذ زيدا ، وهو - لعمري - كذلك ،
--> ( 1 ) الحرد : الغيظ والغضب . ( 2 ) البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر 4 / 14 ، والخصائص 1 / 283 ، ولسان العرب ( معز ) .